في هذه التدوينة، سنلقي نظرة على القيود التي تواجه علاجات السرطان الحالية ونستكشف إمكانيات ومستقبل العلاجات الجديدة باستخدام الفيروسات.
السرطان والقضايا الصحية في المجتمع الحديث
يُعد السرطان من أخطر الأمراض في العصر الحديث، حيث يُشخَّص ملايين الأشخاص به سنويًا حول العالم. يُعد السرطان السبب الرئيسي للوفاة في كوريا الجنوبية، وتزداد خطورته عامًا بعد عام. ونظرًا لتأثير نمط الحياة والعوامل البيئية بشكل كبير على تطور السرطان، يُولي الكثيرون اهتمامًا كبيرًا للوقاية منه. يُعد التدخين، والإفراط في شرب الكحول، واتباع نظام غذائي غير متوازن، وقلة ممارسة الرياضة، والإجهاد المزمن، والعوامل البيئية مثل تلوث الهواء، من العوامل الرئيسية التي تزيد من خطر الإصابة بالسرطان.
بالإضافة إلى الفحوصات الصحية الدورية، يُنصح باتباع التدابير الوقائية التالية للوقاية من السرطان. تناول الخضراوات والفواكه الغنية بمضادات الأكسدة، والإقلاع عن التدخين، وممارسة الرياضة بانتظام، وإدارة التوتر، كلها عوامل تُقلل من خطر الإصابة بالسرطان. إن تحسين هذه العادات الحياتية لا يُساعد فقط على الوقاية من السرطان، بل يُحسّن الصحة العامة أيضًا. ومع ذلك، ولأن أسباب السرطان مُعقدة ومُتنوعة، فإن الوقاية التامة من بعض أنواعه لا تزال تُمثل تحديًا. لذا، يُعد تطوير وتحسين علاجات السرطان أمرًا بالغ الأهمية.
حدود علاجات السرطان الحالية والأساليب الجديدة
تنقسم علاجات السرطان الحالية بشكل كبير إلى الجراحة، والعلاج الإشعاعي، والعلاج الكيميائي (أدوية مضادة للسرطان). هذه العلاجات فعالة في القضاء على الخلايا السرطانية أو تثبيط نموها، إلا أنها قد تسبب آثارًا جانبية خطيرة للمرضى. ولأن العلاج الإشعاعي والعلاج الكيميائي لا يؤثران فقط على الخلايا السرطانية، بل يؤثران أيضًا على الخلايا الطبيعية، فقد يعاني المرضى من آثار جانبية مختلفة، مثل تساقط الشعر، وضعف المناعة، والتعب، واضطرابات الجهاز الهضمي. وبشكل خاص، تُصبح بعض خلايا السرطان مقاومة للأدوية المضادة للسرطان مع مرور الوقت، مما يزيد من صعوبة العلاج. إضافةً إلى ذلك، في حالة السرطان النقيلي، يصعب استئصال السرطان جراحيًا لانتشاره إلى أعضاء وأنسجة مختلفة، وغالبًا ما يكون العلاج الكامل مستحيلًا.
لهذا السبب، يبحث العلماء عن طرق علاجية جديدة، مثل العلاج المناعي، والعلاج الجيني، والعلاج بالخلايا الجذعية، للتغلب على قيود العلاجات الحالية. وقد حظي العلاج المناعي، على وجه الخصوص، باهتمام كبير مؤخرًا، إذ يُنشّط جهاز المناعة لدى المريض لمهاجمة الخلايا السرطانية مباشرةً. ومن الأمثلة على ذلك مثبطات نقاط التفتيش المناعية، التي تساعد الجهاز المناعي على القضاء على الخلايا السرطانية بفعالية أكبر عن طريق تثبيط آلية تهرب الخلايا السرطانية من الخلايا المناعية. يُعدّ العلاج بالخلايا التائية المُستقبِلة للمستضدات (CAR-T) تقنية ناشئة أخرى، تتضمن التلاعب بالخلايا التائية لدى المريض لاستهداف الخلايا السرطانية فقط ومهاجمتها. ويمكن دمج هذه العلاجات الجديدة مع العلاج الكيميائي أو الإشعاعي الحاليين لزيادة فعالية علاج السرطان إلى أقصى حد.
علاجات جديدة للسرطان باستخدام الفيروسات
بدأ العلماء ينظرون إلى الفيروسات كوسيلة للتغلب على قيود العلاجات الحالية والقضاء على الخلايا السرطانية بفعالية أكبر. ويرجع ذلك إلى قدرتها على مهاجمة الخلايا السرطانية فقط بشكل انتقائي، باستثناء الخلايا الطبيعية. تتميز الفيروسات بقدرتها على التسلل إلى خلايا العائل، وتكرار مادتها الوراثية، والتكاثر، ثم تدميرها. ويستمر البحث في تطوير فيروسات تستهدف خلايا السرطان فقط من خلال تطبيق هذه الخاصية.
إذا أُدخل مُحفِّزٌ يتعرف على بروتينٍ مُحدَّدٍ موجودٍ فقط في الخلايا السرطانية في فيروس، فلن يعمل الفيروس في الخلايا الطبيعية، بل سيتكاثر وينتشر فقط في الخلايا السرطانية، مُدمِّرًا إياها. يستطيع فيروس "الصاروخ المُوجَّه" المُصمَّم بهذه الطريقة مهاجمة الخلايا السرطانية بشكلٍ انتقائي، ويمكن استخدامه بطريقتين. الطريقة الأولى هي حقن الفيروس عبر وعاءٍ دموي. يعثر الفيروس، الذي يدور في الجسم عبر الوعاء الدموي، على الخلايا السرطانية، وعندما يصادف خليةً سرطانيةً، يتكاثر داخلها ويُدمِّرها. تُعَدُّ هذه الطريقة فعَّالة حتى في حال انتشار السرطان إلى أعضاءٍ مُتعدِّدة. الفيروس الأكثر استخدامًا لهذه الطريقة هو فيروس ليو.
الطريقة الثانية هي حقن فيروس "الصاروخ الموجه" مباشرةً في الخلايا السرطانية. تُركز هذه الطريقة بسرعة على خلايا سرطانية محددة للعلاج، وهي فعالة بشكل خاص في الحالات التي لم ينتشر فيها السرطان. يُستخدم فيروس الجدري المُعدّل والفيروس الغدي بشكل رئيسي، حيث يتكاثران داخل الخلايا السرطانية ويدمرانها. على وجه الخصوص، يُدمر الفيروس الغدي فيروس الورم الحليمي البشري المسبب لسرطان عنق الرحم بشكل طبيعي، وقد أفادت بعض الدراسات بفعاليته في القضاء على أنواع من السرطان مثل سرطان الثدي وسرطان البروستاتا وسرطان الخلايا الحرشفية.
التحديات ومستقبل العلاج الفيروسي
على الرغم من جاذبية علاج السرطان بالفيروسات، إلا أنه لا يزال يواجه العديد من التحديات. أولًا، قد لا تسمح طريقة حقن الفيروس عبر الأوعية الدموية بالوصول إلى جميع خلايا السرطان بسبب تداخل الجهاز المناعي. من ناحية أخرى، يمكن لطريقة حقن الفيروس مباشرةً في خلايا السرطان القضاء على خلايا السرطان بسرعة في منطقة محددة، إلا أن فعاليتها قد تكون محدودة ضد خلايا السرطان التي انتشرت إلى أجزاء أخرى من الجسم. كما وجدت الدراسة الحالية أن الفيروس لم يتمكن من الانتشار بشكل صحيح داخل خلايا السرطان. لذلك، ستزداد فعالية العلاج بالفيروس إلى أقصى حد عند استخدامه مع العلاج الإشعاعي والكيميائي التقليديين.
في عام ٢٠١٢، نشرت المجلة الطبية البريطانية "نيتشر ميديسن" نتائج سريرية تُظهر أن العلاج المضاد للسرطان باستخدام فيروس الجدري ضاعف مدة بقاء مرضى السرطان في مراحله النهائية. دواء بيكسا-فيك المستخدم في هذه الدراسة هو دواء مضاد للسرطان مُعدّل وراثيًا ليتكاثر فقط في الخلايا السرطانية. عاشت مجموعة المرضى الذين تلقوا جرعات عالية منه لمدة ١٤.١ شهرًا في المتوسط، بينما عاشت المجموعة التي تلقت جرعات منخفضة لمدة ٦.٧ أشهر فقط. تُعدّ هذه حالة مهمة تُشير إلى فعالية العلاج المضاد للسرطان القائم على الفيروس.
يجري تطوير علاجات السرطان المعتمدة على الفيروسات مع استمرار الأبحاث. وقد وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على علاج فيروسي مضاد للسرطان يُسمى T-VEC (Talimogene laherparepvec)، ويُستخدم لعلاج سرطان الجلد (الميلانوما)، ومن المتوقع تطبيقه على مجموعة أوسع من أنواع السرطان مستقبلًا. علاوة على ذلك، يعمل العلماء أيضًا على تطوير فيروسات يمكنها التحكم في البيئة المحيطة بالخلايا السرطانية لتثبيط نموها أو تنشيط الخلايا المناعية المحيطة بها.
مستقبل العلاج الفيروسي وقضايا السلامة
إن إمكانيات العلاج الفيروسي هائلة، ولكنه يتطلب بحثًا دقيقًا والتحقق من سلامته. حتى لو تم تصميم الفيروس لمهاجمة الخلايا السرطانية بشكل انتقائي، فهناك خطر حدوث طفرات أو استجابات مناعية غير متوقعة. كما أن هناك احتمالًا لانتشار الفيروس أو تحوره بشكل لا يمكن السيطرة عليه في الجسم. هناك حاجة إلى المزيد من التجارب السريرية والأبحاث طويلة الأمد لمعالجة هذه المشكلات.
من المرجح أن يصبح العلاج الفيروسي المضاد للسرطان بديلاً هاماً لعلاج السرطان في المستقبل. وتحديداً، عندما يصبح العلاج الفيروسي الشخصي ممكناً، يمكن توفير علاج شخصي لكل نوع وحالة سرطان لدى كل مريض. وبمجرد تسويق هذه التقنية تجارياً والتحقق من سلامتها، سيأتي اليوم الذي يمكن فيه القضاء على السرطان تماماً.