في هذه التدوينة، سوف ندرس كيف تحاول الشكوكية الفلسفية تجنب تناقضاتها وكيف يؤثر ذلك على الاستقصاء الفلسفي.
لطالما زعمت الفلسفة أنها أسمى التخصصات الأكاديمية. وتستند هذه الثقة إلى الاعتقاد بأن المعرفة الفلسفية هي الشكل الأكثر يقينًا للمعرفة. فعلى مدى آلاف السنين، استكشف الفلاسفة أصول الوجود الإنساني، وطبيعة العالم، والقيم الأخلاقية. وفي هذه العملية، تناول البحث الفلسفي أهم الأسئلة الأساسية قبل جميع التخصصات الأخرى. لذلك، لم تُعتبر الفلسفة مجرد مجال معرفي، بل تخصصًا فوقيًا يُشكل أساس كل معرفة. ومع ذلك، غالبًا ما يُشكك في انشغال الفلسفة بذاتها داخل الفلسفة نفسها، حيث يقع الشك في قلب هذا التحدي. وقد ظهر الشك مرارًا وتكرارًا عبر تاريخ الفلسفة، واضعًا اليقين الفلسفي على المحك. ما دور الشك، الذي يزدهر على الشك، في الفلسفة التي تتمثل دعوتها في إدراك الحقيقة المطلقة؟ يُجبرنا هذا السؤال على إعادة النظر في جوهر الفلسفة ويثير الحاجة إلى إعادة تعريف اتجاه البحث الفلسفي. تُعدّ قضايا جورجياس الثلاث، التي ظهرت في بدايات تاريخ الفلسفة، أمثلةً كلاسيكيةً على الشك. فبحسبه، أولًا، لا وجود للشيء؛ ثانيًا، حتى لو وُجد شيءٌ ما، فلا يمكننا معرفته؛ وثالثًا، حتى لو عرفنا شيئًا ما، فلا يمكننا نقل هذه المعرفة إلى الآخرين.
هذه الافتراضات الثلاثة تتحدى أسس البحث الفلسفي، وتنفي تمامًا إمكانية المعرفة. قد تبدو هذه النظرة المتطرفة جذابةً لمن لديهم ميولٌ معاديةٌ للفكر. فهي تُنكر قيمة البحث الأكاديمي والبحث عن الحقيقة، مما قد يُغري من يرغبون في تقويض جدية الفلسفة.
ومع ذلك، ثمة تناقضٌ فادحٌ هنا. أولًا، لا يستطيع جورجياس إنكار وجوده كموضوعٍ للشكِّ المُفرط. ثانيًا، لا يستطيع إنكار معرفته بأنه لا يعرف شيئًا. ثالثًا، لا يستطيع إنكار أنه يُبلغ الآخرين بمعرفته بأنه لا يُمكن نقل أي شيء. فبمجرد أن يُنكر ما يُريد إنكاره تمامًا، يقع في تناقضٍ ذاتيٍّ يُنفي حجته. يُشير هذا التناقض إلى أن الشكَّ لا يُمكن استخدامه كأساسٍ للتبرير الفلسفي، ويكشف عن حدود الشكِّ.
في العصر الحديث، يتجلى الشك المتطرف عادةً في "قابلية الخطأ" عند ألبرت. يسعى ألبرت تحديدًا إلى إفراغ نظام المعرفة الفلسفية الذي يستمدّ من القضية البديهية الأولى من معناه، وذلك من خلال إنكاره التام لإمكانية "التبرير النهائي"، الذي يُحدّد صحة جميع القضايا الفلسفية. يتحدى ألبرت جوهريًا الهدف التقليدي للفلسفة، وهو المعرفة الحاسمة بالحقيقة المطلقة. سلاحه هو معضلة مونشهاوزن الثلاثية. تستند هذه المعضلة الثلاثية إلى حكاية البارون مونشهاوزن، الذي سقط في مستنقع وهو يمتطي حصانًا، وحاول انتشال نفسه منه بشدّ شعره. تثير هذه الحكاية إشكالية مفادها أن منطق التبرير الفلسفي لا يمكنه أن يصمد في نهاية المطاف.
وفقا لألبرت، فإن أي محاولة لإثبات قضية مؤكدة أولى يمكنها تبرير كل القضايا الثانوية محكوم عليها بالفشل لأنها ترتكب حتما أحد الأخطاء الثلاثة التالية.
1. الانحدار اللانهائي: يتم إنشاء قضية أعلى كأساس لتبرير ادعاء ما، ولكن هذه القضية الثانية تتطلب حتما قضية ثالثة، والقضية الثالثة تتطلب قضية رابعة، وهكذا، مع استمرار المطالبات بقضايا أعلى إلى ما لا نهاية، مما يجعل التبرير النهائي مستحيلا من حيث المبدأ.
2. الاستدلال الدائري: يتم تقديم اقتراح ثانٍ كأساس لتبرير ادعاء ما، ولكن هذا الاقتراح الثاني يتم تبريره بعد ذلك بالاقتراح الأول، وبالتالي لا يمكن اعتباره مبررًا نهائيًا أيضًا.
٣. انقطاع الإجراءات: بما أنه من المستحيل تلبية المطالبات المستمرة للتبرير، يتوقف النقاش عند مرحلة معينة من عملية التبرير، وتُرسّخ قضية واحدة كعقيدة لا يمكن الطعن فيها. هذا يُعيق استمرار الجدل العقلي، ولا يُمكن اعتباره تبريرًا نهائيًا.
إن قوة هذه المعضلة الثلاثية هائلة لدرجة أنه يبدو من المستحيل إيجاد مبرر فلسفي يصمد أمامها. ونتيجةً لذلك، تُدرك الفلسفة الحديثة بشكل متزايد عدم يقين المعرفة وأهمية المناهج التجريبية، كالبحث العلمي، في البحث الفلسفي. ومع ذلك، يتضح أن ألبرت، الذي يُطلق عدم يقين جميع القضايا، يرتكب خطأً فادحًا. بمعنى آخر، بقوله إن ادعائه "مؤكد" استنادًا إلى "التبرير المطلق" لهذه المعضلة الثلاثية، يقع في تناقض بين "ادعائه الصريح" و"فعله الضمني"، أي "تناقض أدائي".
يُظهر اكتشاف التناقض الأدائي إمكانية التبرير النهائي دون الوقوع في معضلة مونشهاوزن الثلاثية، وطريقة الإثبات المُستخدمة هنا هي "الإثبات بالتناقض". تُثبت هذه الطريقة، بشكل غير مباشر، صحة القضية (ص) من خلال إظهار أنه بمجرد ذكر القضية المُتناقضة ~ص، يجب أن تُبطل ~ص نفسها. تُعد هذه الطريقة بالغة الأهمية في الجدل الفلسفي، ويمكن استخدامها كأداة فعّالة للدفاع عن إمكانية المعرفة في مواجهة الشك الفلسفي. بعبارة أخرى، فإن ادعاء ألبرت الصريح بأنه "لا توجد معرفة أكيدة" يعني ضمناً ادعاء أن "الاعتراف بعدم وجود معرفة أكيدة هو أمر مؤكد"، وهو ما يفترض مسبقاً وجود قضية "وجود معرفة أكيدة"، التي سعى إلى إنكارها.
من خلال هذه الطريقة في الإثبات، نضمن إمكانية إثبات بعض الافتراضات ضد اللاأدرية. لا يمكن للشك أن يصبح الفلسفة المطلقة، لأنه إذا أُفرط فيه، فإنه يؤدي إلى تدمير الذات. مع ذلك، يلعب الشك دورًا بنّاءً في الفلسفة، التي تميل إلى التعصب.
في عملية البحث الفلسفي، يلعب الشك دورًا هامًا في صقل الحجج الفلسفية وتعزيز صحتها. ذلك أن التحدي القوي الذي يفرضه الشك يُسهم في صحة الفلسفة بإجبارها على تطوير منطق تبريري قوي بما يكفي لمواجهته. ومن خلال هذه التحديات، تتجدد الفلسفة باستمرار وتكتسب القوة لمواصلة بحثها عن الحقيقة.