هل التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي تواصل حقيقي؟ أم أنه مجرد وهم من العصر الرقمي؟

في هذه التدوينة، سوف ندرس من وجهات نظر مختلفة ما إذا كان التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي اتصالًا حقيقيًا أم مجرد وهم خلقه العصر الرقمي.

 

في الماضي، كان لقاء شخص ما في مكان محدد يعتمد على موعد ومكان مُتفق عليهما مسبقًا. كان الذهاب إلى المكان المحدد في الموعد المحدد والانتظار بفارغ الصبر للقاء الشخص الآخر جزءًا من هذه العملية. إلا أن هذه العملية كانت غالبًا ما تُسبب قلقًا عند تأخر الشخص الآخر، مما يُؤدي بدوره إلى تخيلات مُختلفة. وتتبع ذلك أفكار مثل "ربما حدث شيء ما" أو "ربما ذهبوا إلى المكان الخطأ".
في مجتمعنا الحديث، ومع تطور تكنولوجيا المعلومات، أصبح التواصل مع الآخرين في أي مكان أسهل بفضل الأجهزة الذكية. على سبيل المثال، يمكنك مواصلة المحادثة مع شخص ما فورًا أثناء وجودك في الحافلة أو المترو في طريقك للقاءه. لم نعد بحاجة لتخمين مكان الشخص الآخر، بل أصبح بإمكاننا بسهولة معرفة مكانه وسبب تأخره.
أساس هذه الفوائد هو وسائل التواصل الاجتماعي. وسائل التواصل الاجتماعي هي اختصار لعبارة "خدمات الشبكات الاجتماعية"، وهي خدمات تُتيح التواصل غير المباشر مع الآخرين عبر تبادل البيانات. إذا نظرت إلى هواتف الناس الذكية، ستجد أن لديهم تطبيقًا واحدًا على الأقل للتواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك، وتويتر، وإنستغرام، وكاكاو توك.
تتميز مواقع التواصل الاجتماعي بميزة التواصل مع العديد من الأشخاص حول العالم عبر الإنترنت، بغض النظر عن المسافة أو الزمن، ومشاركة قصص ومعلومات متنوعة. بفضل هذا، نعيش في عالم يُتيح لنا التواصل بسهولة مع أشخاص من مختلف بقاع العالم، وليس مجرد التواصل اليومي.
في هذه الأيام، أصبح جزء من أجسامنا مشغولاً للغاية. إنه الإبهام. يقضي الجميع حياتهم ينظرون إلى هواتفهم الذكية في أي وقت وفي أي مكان، ويحركون إبهامهم بلا توقف. ما الذي يجعل الناس فضوليين للغاية لدرجة أنهم يحركون إبهامهم بلا توقف؟ أحد أسباب انشغال إبهام الناس هو وسائل التواصل الاجتماعي. تتيح وسائل التواصل الاجتماعي للناس إظهار جوانب مختلفة من أنفسهم، ورؤية أشخاص مختلفين، ومشاركة القصص والمعلومات مع بعضهم البعض. أصبح كل هذا ممكنًا ببضع حركات فقط من الإبهام. لقد دخلنا الآن عصرًا يمكن فيه لأي شخص أن يعرف على الفور من يتواصل معه وكيف تتغير حياته. يقول الناس إنهم يتواصلون مع الآخرين ببضع حركات فقط من إبهامهم. علاوة على ذلك، بمجرد النظر إلى النص على شاشة صغيرة، فإننا نخدع أنفسنا بأننا نرى العالم كله.
هل يُمكننا أن نُسمّي ما يحدث على مواقع التواصل الاجتماعي تواصلًا حقيقيًا؟ نسأل بعضنا البعض دائمًا عن أحوالنا. "كيف حالك؟" "لنتناول شيئًا ما عندما يكون لديك وقت!" نُجري هذه المحادثات بشكلٍ اعتيادي. ومع ذلك، قد يكون هناك نقص في الاهتمام الحقيقي أو التواصل العميق وراء هذه الكلمات. ما هو التواصل قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي؟ كان مفهوم التواصل الذي أسسته البشرية منذ العصور القديمة هو اللقاء الشخصي وإجراء محادثة. يُمكن القول إن مفهوم التواصل هذا، الذي تم بناؤه على مدى عشرات الآلاف من السنين، هو أبسط أشكال التواصل البشري. مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، حتى الأصدقاء الذين اعتادوا على اللقاء شخصيًا للتحدث مع بعضهم البعض يتحققون الآن من حسابات بعضهم البعض على مواقع التواصل الاجتماعي، وانخفض عدد المرات التي يلتقون فيها شخصيًا. بدأت مواقع التواصل الاجتماعي، التي كانت موجودة منذ أقل من 10 سنوات، في زعزعة أساس هذا المفهوم الأساسي للتواصل.
لقد أحدث التغيير المفاجئ في أسلوب التواصل انقسامًا واضحًا في ردود أفعال الناس. فمن يتكيف مع التغيير يجد وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة جيدة للتواصل، بينما يزداد تهميش من لا يستطيعون التكيف معه. وهذا يخلق حاجزًا يمنع الجميع من التواصل. وعلى وجه الخصوص، فإن الفجوة الرقمية بين مختلف الفئات العمرية والأجيال تزيد من اتساع هذا الحاجز. فالجيل الشاب ينشئ ويشارك ثقافات جديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بينما يتخلف الجيل الأكبر سنًا ويصبح معزولًا بشكل متزايد عن التواصل. هذا الحاجز يمنع الجميع من التواصل، مما يُقوّض جوهر التواصل.
ما هي الأسباب الأخرى لمحدودية التواصل على وسائل التواصل الاجتماعي؟ تميل القصص والمعلومات المنشورة على هذه المنصات إلى أن تكون جزئية وليست شاملة. لذلك، فإن العالم كما يُرى من خلالها ليس سوى جزء صغير من الكل. علاوة على ذلك، فإن الصور التي ينشرها الناس على هذه المنصات لا تُمثلهم تمثيلاً كاملاً. هذا لأن الكثيرين يرغبون في إظهار الجوانب الجميلة والطيبة التي اختاروها لأنفسهم. بمعنى آخر، يمكن اعتبارها مكاناً يُظهر فيه الناس من يتمتع بحياة أفضل. يتحدث الناس وهم يُظهرون جزءاً فقط من أنفسهم وينظرون فقط إلى جزء من الشخص الآخر. هل يُمكن القول إننا نعرف بعضنا البعض من خلال هذا النوع من التواصل؟ أعتقد أن هذا ليس تواصلاً حقيقياً، بل تواصلاً محدوداً.
مع تغير العالم، يتغير مفهوم التواصل في العالم الرقمي. ومع ذلك، يجب ألا نتخلى عن أبسط مفاهيم التواصل. أعتقد أنه عندما ننظر إلى العالم، يجب أن نستخدم كلتا العينين لرؤيته وتجربته بأنفسنا حتى نتمكن من رؤيته حقًا. لا يمكننا رؤية العالم كله بإبهامينا فقط. هذا نصف التواصل فقط. يمكننا رؤية جوانب مختلفة من العالم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن هذا ليس العالم الحقيقي. لماذا لا تأخذ استراحة من إبهاميك وتنظر إلى العالم بأم عينيك؟ سيكون العالم الذي تراه بعينيك أكثر تنوعًا. أعتقد أنه من الضروري الانخراط في تواصل حقيقي، بدلاً من التواصل الرسمي من خلال النص على الشاشة، بينما إبهامك مشغول بوسائل التواصل الاجتماعي. الآن هو الوقت المناسب لنا لبذل جهد أكثر وعيًا للتواصل الحقيقي. فقط من خلال تجربة الالتقاء بالآخرين والشعور بهم والتحدث معهم يمكننا أن نفهم العالم حقًا.

 

عن المؤلف

كاتب

أنا "محقق القطط" وأساعد في إعادة القطط الضائعة إلى عائلاتها.
أستعيد نشاطي بفنجان قهوة لاتيه، وأستمتع بالمشي والسفر، وأوسّع مداركي بالكتابة. بمراقبة العالم عن كثب، واتباع فضولي الفكري ككاتبة مدونة، آمل أن تُقدّم كلماتي العون والراحة للآخرين.