في هذه التدوينة سوف ندرس ما إذا كانت الطبيعة البشرية تتحدد بالعوامل الوراثية أم أنها تتشكل بالبيئة والتربية من خلال أمثلة ودراسات مختلفة.
قبل مناقشة هذا السؤال، دعونا أولاً نتناول معنى الطبيعة والتنشئة. لطالما كان الجدل حول الطبيعة والتنشئة قائماً من منظور فلسفي ونفسي وبيولوجيا. ويطرح هذا الجدل سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كانت السمات والسلوكيات البشرية فطرية أم مكتسبة أثناء النمو. ويلعب هذا النقاش دوراً هاماً في فهم الهوية البشرية والأخلاق والسلوك الاجتماعي.
أولاً، عند التفكير في الطبيعة البشرية، نجد عبارة تُركّز على الطبيعة البشرية: "فطري". وهذا يعني "المولود بشخصية أو قدرة معينة". ليس من الواضح ما إذا كان المعيار هو الولادة أم لحظة التقاء الحيوان المنوي بالبويضة بالمعنى الجيني. في هذه المقالة، سنتناول أنه عند تعديل الطبيعة البشرية وراثيًا، تُحدّد الجينات الصفات البشرية. يرتبط هذا المنظور بالحتمية البيولوجية، ويتضمن الادعاء بأن جميع الصفات البشرية تُحدّدها الجينات بالفعل. على سبيل المثال، يولد بعض الناس بمواهب فنية، بينما يتمتع آخرون بقدرات بدنية استثنائية. ينتشر هذا المنظور بسهولة بين من يعتقدون أن الإنجازات الفردية تُحدّدها في الغالب العوامل الوراثية.
من ناحية أخرى، التنشئة ليست فطرية، بل مكتسبة. بمعنى آخر، تعني التنشئة أن السمات البشرية لا تُحددها الجينات، بل تتغير بفعل البيئة المحيطة. تشمل البيئة الأسرة، والتعليم، والثقافة، والتجارب الاجتماعية. وقد درس علماء النفس منذ زمن طويل كيف تُشكل هذه العوامل البيئية شخصية الإنسان وذكائه وأنماط سلوكه.
على سبيل المثال، حتى التوائم الذين يتشاركون نفس الخلفية الجينية قد يمتلكون شخصيات وقدرات مختلفة تمامًا إذا نشأوا في بيئات مختلفة. يجادل مؤيدو نظرية الحتمية الجينية بأن الجينوم لا يحدد وراثيًا الخصائص الجسدية للإنسان فحسب، بل أيضًا الخصائص السلوكية. في الواقع، عندما نطالع الأخبار والأمثلة من حولنا، نجد حالات تجعلنا نعتقد أن السمات الجينية تُحدد خصائص الشخص.
معظم الفائزين بميداليات ألعاب القوى في الألعاب الأولمبية من السود، ويصعب العثور على أشخاص ذوي بشرة صفراء أو بيضاء. يمكن تفسير هذه الظاهرة على أن بعض الأعراق تمتلك استعدادات وراثية تُمكّنها من التفوق في رياضات معينة. من ناحية أخرى، عندما ننظر إلى تصنيفات أولمبياد الرياضيات الدولي، حيث تتصدر الصين وكوريا الجنوبية التصنيف، فإننا نعتقد أن الجينات تلعب دورًا في تحديد السمات البشرية.
ومع ذلك، إذا نظرنا إلى سلوك الناس ونتائج الأبحاث المختلفة، يمكننا أن نجد أن هذه الأفكار والادعاءات خاطئة. دعونا ننظر إلى التعليم قبل الولادة كمثال. إذا كانت خصائص الشخص وشخصيته تحددها السمات الوراثية، ففي اللحظة التي يلتقي فيها الحيوان المنوي بالبويضة ويحدث الإخصاب، يتم تحديد خصائص ذلك الشخص. التعليم قبل الولادة، كما يمارسه معظم الناس، ليس له أي تأثير على البويضة المخصبة، التي تم تحديد جينومها بالفعل، لذا فهو لا معنى له في الأساس. ومع ذلك، من السهل العثور على دراسات حول آثار التعليم قبل الولادة على الأجنة. كشفت دراسة أجرتها جامعة بيتسبرغ في الولايات المتحدة أن معدل الذكاء يتحدد إلى حد كبير من خلال البيئة في الرحم بدلاً من العوامل الوراثية. بالإضافة إلى ذلك، من المعروف أن التعليم قبل الولادة يؤثر على مشاعر الأجنة. وبالتالي، يتأثر نمو الجنين بشكل كبير ليس فقط بالجينات ولكن أيضًا بالعوامل البيئية أثناء الحمل.
علاوة على ذلك، يُظهر كتاب ريتشارد إي. نيسبيت "الذكاء وكيفية اكتسابه" أن للبيئة تأثيرًا كبيرًا على الأفراد بعد الولادة. يستخدم هذا الكتاب إحصاءات لإثبات أن الذكاء، وهو إحدى سمات البشر، يتأثر بشكل كبير بالبيئة، وأن تأثيره الوراثي ضئيل. من خلال تجارب وإحصاءات طويلة الأمد، يُجادل المؤلف بأن التأثير الوراثي على الذكاء ضئيل. وينص الكتاب على أن قصص النجاح الأكاديمي في مجتمع اليوم يجب أن تأخذ في الاعتبار الاختلافات في البيئات الأسرية بين الأعراق في المجتمعات القائمة، والصور النمطية السائدة. بعبارة أخرى، قبل الاستنتاج بأن ظهور نوع معين من المجموعات في المجتمع يرجع ببساطة إلى عوامل وراثية، يجب علينا أيضًا مراعاة العوامل الاجتماعية والبيئية التي تُسبب هذه الظواهر.
بالطبع، بما أن الخصائص البشرية لا تقتصر على الذكاء أو الشخصية فقط، فلا يمكن اعتبار الحجج ونتائج الأبحاث المذكورة أعلاه تمثيلًا لجميع الخصائص البشرية. علاوة على ذلك، لا يمكن القول إن جميع الخصائص البشرية تتجلى وتتغير بفعل العوامل البيئية. ومع ذلك، بالنظر إلى الحالات التجريبية المذكورة أعلاه، يتضح أن العوامل البيئية أكثر أهمية من العوامل الوراثية. ويتجلى هذا بشكل خاص في السياق الاجتماعي، حيث يتأثر الناس لا شعوريًا بالفئات الاجتماعية والخلفيات الثقافية التي ينتمون إليها، مما يؤثر بدوره تأثيرًا عميقًا على معتقداتهم وقيمهم وسلوكهم.
تُقدّم نتائج هذه الأبحاث العديد من الدلالات للناس. يُمكننا أن نرى مدى خطأ النازيين في تأكيدهم على التفوق الجيني للآريين خلال الحرب العالمية الثانية. كما تُظهر مدى أهمية العوامل البيئية للأشخاص الذين يرغبون في تغيير أنفسهم. في كتاب "الذكاء وكيفية الحصول عليه"، يقول ريتشارد إي. نيسبيت: "هناك فرق كبير بين إدراك إمكانية التغيير والعمل على تحقيقه، والعمل على التغيير بناءً على الاعتقاد بأنه مستحيل". يجب على الأشخاص الذين يرغبون في تغيير أنفسهم ألا يُلقوا باللوم على العوامل الوراثية وحدها، بل يمكنهم إحداث التغيير ببساطة عن طريق تغيير عقليتهم. هذا لا يُقدّم فقط إمكانية التغيير الفردي، بل يُقدّم أيضًا أملًا في التغيير في المجتمع ككل. سيكون التقدم الاجتماعي ممكنًا أيضًا اعتمادًا على كيفية استخدام كل فرد للبيئة المحيطة به واستخدامها كأداة للتغيير.