في هذه التدوينة، سوف نستكشف الإيثار البشري من خلال فرضية التكرار والمعاملة بالمثل، استنادًا إلى السؤال التالي: "هل السلوك الإيثاري هو حقًا استراتيجية محسوبة؟"
كيف يمكن تفسير الإيثار؟
يعتبر مفهوم "الانتقاء الطبيعي" معروفًا على نطاق واسع في هذا العالم.
وفقًا لنظرية التطور البيولوجي، تتصرف الكائنات الحية بطريقة تعود بالنفع على ذاتها تمامًا لتحقيق هدفي البقاء والتكاثر. إذا نظرنا إلى المجتمع البشري في إطار الانتخاب الطبيعي، يمكننا أن نستنتج أن معظم الناس يفكرون ويتصرفون بما يخدم مصالحهم. ومع ذلك، عندما ننظر حولنا، غالبًا ما نلاحظ سلوكيات يصعب تفسيرها بنظرية الانتخاب الطبيعي. هذه هي "السلوكيات الإيثارية".
يبدو أن مساعدة الآخرين ومراعاة مشاعرهم، حتى لو كان ذلك على حساب مصالحنا الشخصية، أمرٌ بعيدٌ عن الفطرة. ومع ذلك، كثيرًا ما نصادف مثل هذا السلوك في حياتنا اليومية. وأحيانًا، نتصرف نحن أيضًا بهذه الطريقة.
لماذا وكيف يُمكن أن يكون هذا السلوك الإيثاري ممكنًا؟ إحدى الفرضيات التي تُفسر هذه الظاهرة هي "فرضية التكرار والمعاملة بالمثل".
الإيثار في العلاقات المتكررة
فرضية التكرار والمعاملة بالمثل هي نظريةٌ مفادها أن البشر يتصرفون بإيثار تجاه الآخرين بناءً على تفاعلاتٍ طويلة الأمد ومتكررة. وذلك لأنه حتى لو بدا الفعل غيرَ مفيدٍ على المدى القصير، فقد يكون مفيدًا للفرد على المدى البعيد. بمعنى آخر، يتقبل الأفراد التضحيات الحالية تحسبًا لمكافآتٍ مستقبلية.
لنأخذ مجتمعات الصيد والجمع القديمة مثالاً. في ذلك الوقت، سادت ثقافةٌ كان فيها الناجحون في الصيد يتشاركون فرائسهم مع القبيلة بأكملها. من منظور الربح الفوري، قد تبدو مشاركة الفرائس خسارة. لكن بما أن الصيد لم يكن ناجحاً دائماً، فقد أصبحت المشاركة الآن استراتيجيةً أكثر فائدةً للحصول على المساعدة في المرة التالية التي يفشل فيها المرء. في مجتمعٍ تُحافظ فيه العلاقات المستمرة بين أعضائه، يتكرر السلوك الإيثاري المتبادل، مما يزيد من فرص بقاء القبيلة بأكملها.
نظرية لا تزال صالحة في المجتمع الحديث
لا تنطبق فرضية التكرار والمعاملة بالمثل على الماضي فحسب. ففي مجتمع اليوم، ينخرط الناس أيضًا في سلوكيات إيثارية مع وضع علاقات طويلة الأمد في الاعتبار، مما يُسهم في بناء صورة إيجابية عن أنفسهم وتكوين علاقات أفضل. على سبيل المثال، عند مقابلة شخص ما لأول مرة، قد يكون تقديم المساعدة أو إظهار اللطف له أكثر من مجرد فعل لطيف بسيط. بل هو أيضًا وسيلة لإيصال رسالة مفادها: "أنا شخص جدير بالثقة، ويمكن أن أكون علاقة مفيدة لك في المستقبل". ونتيجة لذلك، من المرجح أن يستجيب الشخص الآخر بشكل إيجابي، ومن المرجح أن تتطور العلاقة بينهما في اتجاه إيجابي.
بهذه الطريقة، ينخرط الناس في سلوك إيثاري تجاه بعضهم البعض من خلال التفاعلات الاجتماعية المتكررة، متوقعين أن يعود ذلك عليهم بالنفع في نهاية المطاف. تُشكل هذه العملية أساس العلاقات الإنسانية، وتُمثل وسيلةً مهمة لبناء ثقة دائمة داخل المجتمع.
ولكن هل يمكن تطبيق ذلك في جميع الحالات؟
مع ذلك، هناك قيد واضح على هذه النظرية. فإذا ظهر سلوك إيثاري حتى في العلاقات التي تنتهي بعد لقاء أو لقاءين فقط، فإن فرضية التكرار والمعاملة بالمثل تفقد قوتها التفسيرية. ويرجع ذلك إلى أن جوهر هذه النظرية هو "التكرار". ففي المواقف غير المتكررة، لا يمكن توقع مكافآت طويلة الأمد، وبالتالي، ينبغي أن يكون السلوك الإيثاري خيارًا لا معنى له من الناحية الاستراتيجية.
لكن الواقع مختلف. فكثيرًا ما يلجأ الناس إلى سلوكيات إيثارية حتى في المواقف العابرة، كالتخلي عن مقاعدهم لكبار السن في مترو الأنفاق أو مساعدة من يلتقون بهم صدفةً أثناء السفر. يصعب تفسير هذه السلوكيات بفرضية التكرار والمعاملة بالمثل. ومع ذلك، لا توجد حتى الآن نظرية تُفسر الإيثار البشري بشكل أكثر إقناعًا من هذه الفرضية. لذلك، نعتبر فرضية التكرار والمعاملة بالمثل "المرشح الأقوى" لفهم الإيثار.
الخاتمة
قد يكون الإيثار البشري سلوكًا معقدًا يتجاوز الغرائز أو المشاعر البسيطة، وينشأ من العلاقات الاجتماعية وحسابات المستقبل. تُقدم فرضية التكرار والمعاملة بالمثل إطارًا صحيحًا يُفسر بعضًا من هذا التعقيد. بالطبع، لا يُمكنها تفسير كل شيء، لكن حقيقة أن العديد من السلوكيات الإيثارية في المجتمع البشري تحدث من خلال التكرار والتفاعل تجعل هذه النظرية لا تزال صالحة. ولعل السلوك الإيثاري تعبير عن الإنسانية لا يُمكن فهمه بالمنطق والحساب فقط.