تلقي هذه التدوينة نظرة متوازنة على الابتكارات التي ستجلبها تقنية الطابعة ثلاثية الأبعاد إلى حياتنا، فضلاً عن القضايا التنظيمية والمتعلقة بالملكية الفكرية التي تنشأ.
ماذا لو استطعتَ صنع ملابس صممتها بنفسك أمام عينيك مباشرةً وارتدِها فورًا؟ ماذا لو استطعتَ بسهولة تحضير الطعام الذي ترغب بتناوله دون الحاجة للذهاب إلى مطعم أو الطهي؟ هذه المشاهد، التي تبدو كأفلام الخيال العلمي، أصبحت واقعًا ملموسًا في حياتنا بفضل تطور الطابعات ثلاثية الأبعاد. هذه التقنية ليست مجرد خيال، بل تتزايد يومًا بعد يوم لتصبح واقعًا ملموسًا في مجتمعنا الحديث.
تُسهم الطابعات ثلاثية الأبعاد في دفع عجلة الابتكار في مختلف المجالات، وتتوسع تطبيقاتها يومًا بعد يوم. الطابعة ثلاثية الأبعاد هي طابعة تُضيف حركة المحور Z إلى الطابعات التقليدية، حيث تطبع صورًا ثنائية الأبعاد بالتحرك على طول المحورين X وY ورش الحبر على الورق، مما يُمكّنها من طباعة أجسام ثلاثية الأبعاد.
صُممت الطابعات ثلاثية الأبعاد في الأصل لإنتاج نماذج أولية قبل تسويق المنتجات، واقتصر استخدامها على تصنيع المواد البلاستيكية، لكنها شهدت تطورات متكررة، ووصلت الآن إلى مستوى تصنيع الأعضاء الاصطناعية وأدوات المطبخ. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة، طُوّرت تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد مؤخرًا بنجاح لإنتاج أنسجة الجسم، مثل الأذنين والعضلات وعظام الفك، والتي يمكن زراعتها في الجسم. وقد أدى ذلك إلى تطورات ثورية في المجال الطبي، ومن المتوقع أن يُسهم بشكل كبير في التغلب على القيود الجسدية.
رغم أن قلة من الناس يشككون في أهمية الطابعات ثلاثية الأبعاد في جعل حياتنا أكثر راحة، إلا أن النظرة إليها ليست إيجابية دائمًا. فالتغييرات التي أحدثتها هذه التقنية تصاحبها قضايا اجتماعية وأخلاقية متنوعة، بالإضافة إلى جوانب إيجابية.
تُعدّ حقوق الملكية الفكرية القضية الأكثر تداولاً حول الطابعات ثلاثية الأبعاد. يُمكن لأي شخص لديه مخطط تصميمي استخدام طابعة ثلاثية الأبعاد لإنشاء أي شيء، ويشعر بعض الناس بقلق بالغ إزاء قضايا الملكية الفكرية، مثل النسخ غير القانوني. وقد أُشير إلى أنه بدون إجراءات مضادة مناسبة، قد يؤدي ذلك إلى اضطرابات اجتماعية خطيرة ناجمة عن ارتباك قانوني. وليست هذه هي القضايا الوحيدة التي تُناقش بشأن الطابعات ثلاثية الأبعاد. ففي الآونة الأخيرة، نجحت مجموعة تُدعى "Defense Distribute"، والتي كانت تُجري أبحاثاً حول تصنيع الأسلحة النارية باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، في إطلاق مسدس بلاستيكي مصنوع باستخدام طابعة ثلاثية الأبعاد، مما أثار نقاشات جادة حول العالم حول تشديد الرقابة على الأسلحة. في الوقت الحالي، لا تصل الأسلحة المصنعة باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد بناءً على بيانات عبر الإنترنت إلى مستوى يسمح باستخدامها في الجرائم، ولكن هناك دعوات لوضع لوائح تنظيمية على الطابعات ثلاثية الأبعاد تتجاوز مجرد تنظيم مبيعات الأسلحة لتجنب موقف يُتوقع ظهوره في المستقبل القريب.
ومع ذلك، علينا أن نفكر مليًا في اللوائح المتعلقة بالطابعات ثلاثية الأبعاد. حاليًا، تواجه العديد من الشركات الكورية المتخصصة في التقنيات الجديدة صعوبات في دخول السوق العالمية بسبب اللوائح الحكومية.
على سبيل المثال، في كوريا، يقتصر استخدام الطائرات بدون طيار على الأغراض العسكرية والتصوير الفوتوغرافي. وبالمقارنة مع الصين، حيث تقتصر رحلات الطائرات بدون طيار على مناطق محددة، واليابان، حيث تُستخدم الطائرات بدون طيار بنشاط في الرعاية الطبية عن بُعد وتوصيل الأدوية، فإن تطور الصناعات المرتبطة بالطائرات بدون طيار في كوريا بطيءٌ حتمًا. وهذا مثالٌ على أهمية اللوائح الحكومية في قبول التقنيات الجديدة. والطابعات ثلاثية الأبعاد ليست استثناءً.
حاليًا، تطورت تقنية الطابعات ثلاثية الأبعاد في كوريا لدرجة أنها أصبحت قادرة على إنتاج أعضاء وجلد وأذرع وأرجل اصطناعية. ولكن نظرًا لغياب معايير السلامة للمنتجات المصنعة محليًا، هناك إحجام عن شرائها من الخارج، مما يُصعّب إيجاد أسواق لها. تُعدّ هذه اللوائح بمثابة تقييدٍ للشركات المتنافسة عالميًا، وبالنظر إلى التأثير الكبير لمنافسة استباق السوق في الصناعات الجديدة، لا يُمكن اعتبار هذا إلا خسارةً فادحة.
إن اللوائح التنظيمية المتعلقة بالتقنيات الجديدة لا تقتصر على السلامة فحسب، بل تُعد عاملاً بالغ الأهمية يؤثر بشكل كبير على النمو الصناعي والاقتصاد الوطني. ونظرًا للأهمية الكبيرة التي تحظى بها صناعة الطابعات ثلاثية الأبعاد في المستقبل، نظرًا للإمكانيات الهائلة التي توفرها، يتعين على الحكومة دراسة وتطبيق لوائح أكثر صرامة.
يجب ألا نسمح بحدوث وضع مؤسف تُعيق فيه الصناعات الكورية الجديدة بسبب عجزنا عن مواكبة التطورات التكنولوجية. لذلك، يجب على الحكومة تحقيق التوازن بين التنظيم والدعم لتعزيز التطور التكنولوجي الآمن دون إعاقة الابتكار. وهذه مهمة بالغة الأهمية لا تقتصر على صناعة الطابعات ثلاثية الأبعاد فحسب، بل تشمل أيضًا جميع التقنيات الجديدة في المستقبل.