في هذه التدوينة، سوف ندرس أصول الفن من منظور علم النفس التطوري ونستكشف ما إذا كان الفن غريزيًا أم استراتيجيًا.
ما أصل الفن؟ لماذا يرسم البشر ويغنون ويتزينون؟ يُفسر علماء النفس التطوري أن الفن بدأ لأنه يوفر مزايا انتقائية للتكاثر والبقاء. بمعنى آخر، الفن ليس مجرد تعبير عاطفي، بل استراتيجية مستمدة من الغرائز البيولوجية البشرية.
أول شيء لاحظوه هو ظاهرة الانتقاء الجنسي.
في عالم الحيوان، غالبًا ما تزين المخلوقات نفسها بشكل ملفت للنظر لجذب شريكاتها، حتى لو كان ذلك يضعها في موقف حرج من حيث البقاء. ومثل ذيل الطاووس، تسعى الحيوانات أحيانًا إلى التألق الخارجي على حساب فرص بقائها من أجل التكاثر.
تنطبق هذه الظاهرة البيئية على البشر أيضًا. من المهم جدًا للبشر إيجاد شريك مناسب للتكاثر، ولذلك تختلف استراتيجيات التودد باختلاف الجنس. فالرجال يفضلون نساءً يتمتعن بصحة جيدة وقادرات على الإنجاب وتربية الأطفال، بينما تفضل النساء رجالًا يمتلكون الموارد اللازمة لحماية أنفسهم وأطفالهم أثناء الحمل والرضاعة وتربية الأطفال. وقد أدت هذه الاختلافات إلى اختلاف استراتيجيات التودد لكل جنس.
على سبيل المثال، يسعى الرجال جاهدين للظهور بمظهر مستقر ماليًا، وذو مكانة اجتماعية مرموقة، ومسؤول. في المقابل، تسعى النساء إلى تعزيز قدراتهن الإنجابية وصحتهن من خلال شبابهن وجمالهن ومظهرهن الصحي.
بالنظر إلى هذه الاختلافات، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن فيما يتعلق بالفن هو استراتيجيات النساء في التودد. ويرى هذا المنظور أن المكياج والزينة وغيرها من السلوكيات التي تمارسها النساء لتبدو شابة وجذابة هي أصل الفن البدائي.
وفقًا لهذه الحجة، ليس الفن مجرد تعبير عن رغبة جمالية، بل نشأ من تزيّن النساء بأنفسهن لتهيئة ظروف مواتية للتكاثر. على سبيل المثال، يُفسّر مُنظّرون، مثل عالمة الأنثروبولوجيا كاميلا باور، طلاء الجسم الأحمر الذي اعتادت نساء القبائل البدائية استخدامه على أنه ناشئ عن الظاهرة الفسيولوجية المتمثلة في القدرة الإنجابية الأنثوية. ربما كانت هذه التعبيرات الجسدية بمثابة إشارات بيولوجية تُشير إلى القدرة الإنجابية، متجاوزةً بذلك مجرد التزيّن. مع ذلك، لهذا المنظور حدوده. فهو لا يُفسر حقيقة أن غالبية الفنانين تاريخيًا كانوا من الرجال، متجاوزين النساء بكثير. يُفسّر البعض ذلك على أنه نتيجة للتمييز الاجتماعي، بحجة أن النساء لم يستطعن العمل كفنانات لقلة فرصهن في التعليم والإبداع. مع ذلك، لا يكفي هذا التفسير لتفسير "ظهور وانتشار" الفنانين الذكور. قد يُفسر قلة الفنانات، لكنه لا يُفسر سبب ازدياد عدد الفنانين الذكور بشكل كبير. ردًا على هذا النقد، يقترح عالم النفس التطوري جيفري ميلر نموذجًا أكثر شمولًا.
يعتقد أن "الفن كان جزءًا من استراتيجية مغازلة ناجحة للرجال والنساء على حد سواء". بمعنى آخر، تطور الفن كوسيلة لجميع البشر لجذب الجنس الآخر، بدلًا من أن يقتصر على جنس محدد.
ويتأكد هذا الرأي من خلال حقيقة أنه في العديد من القبائل البدائية، كان الرجال والنساء يزينون أنفسهم بالألوان.
يُعدّ الرسم على الجسم باللون الأحمر، والزخارف المصنوعة من الريش والجلد، والرقصات والأغاني الإيقاعية، ممارسات شائعة بين الرجال والنساء على حد سواء. ويشير هذا إلى أن الفن كان وسيلة مهمة للبقاء في التنافس على الشركاء. ومع ذلك، يثير هذا الجدل سؤالاً واحداً. فوفقاً لمنطق علم النفس التطوري، تُفضّل النساء الرجال الذين يتمتعون بالقوة الاقتصادية والمكانة الاجتماعية والشعور بالمسؤولية. إذا كان الأمر كذلك، فهل كانت الأنشطة الفنية المبكرة مثل الرسم على الجسم والتزيين فعالة حقاً في إظهار هذه الخصائص؟ من غير المعقول إلى حد ما اعتبار الرسم على الجسم تعبيراً عن القوة الاقتصادية أو المسؤولية. عند هذه النقطة، يفقد التفسير النفسي التطوري بعضاً من قوته الإقناعية. وانعكاساً لهذا النقد، بُذلت محاولات حديثة للنظر إلى الفن ليس فقط كنتيجة للانتقاء الجنسي، بل كجزء من استراتيجية بقاء الإنسان.
على سبيل المثال، يمكن تفسير رسومات الكهوف والأنماط الهندسية من العصور البدائية على أنها محاولات لفرض النظام على بيئة طبيعية خطرة وقاسية. في عالم طبيعي معقد وغير متوقع، سعى البشر إلى فهمه والتحكم فيه من خلال الرموز والأنماط والهياكل. في هذا السياق، لم يكن الفن مجرد سعي وراء الجمال، بل كان وسيلةً للبشر للتكيف مع عالم غامض، ووسيلةً لتعزيز قدرتهم على البقاء.
وينطبق الأمر نفسه على المكياج والديكور. فبدلاً من مجرد السعي وراء الجمال، ربما كانا جزءًا من جهد لتحقيق الانسجام مع الطبيعة. وكانت الأنماط التي تشبه ألوان الغابة والزخارف المصنوعة من جلود الحيوانات أيضًا تقنيات ثقافية للتماهي مع البيئة المحيطة. وبهذا المعنى، ليس الفن أداة للبقاء، ولكن من المرجح جدًا أنه تطور كوسيلة تعبير جعلت البقاء أكثر فائدة.