هل كانت المناظرة الكبرى لعام 1920 الخطوة الأولى نحو فهم طبيعة الكون؟

تتناول هذه المدونة ما إذا كان النقاش حول حجم وطبيعة الكون خلال "المناظرة الكبرى" في عشرينيات القرن الماضي قد شكل نقطة انطلاق لعلم الكونيات الحديث، وتتأمل في أهميته التاريخية.

 

في السادس والعشرين من أبريل عام ١٩٢٠، دُعي نحو ٣٠٠ عالم إلى مناظرةٍ نظمتها الأكاديمية الوطنية للعلوم في قاعة بيرد بمتحف سميثسونيان الوطني للتاريخ الطبيعي. هناك، دار نقاشٌ حادٌّ بين فلكيين، عُرف لاحقًا في التاريخ باسم "المناظرة الكبرى". تمحور النقاش، الذي استمر طوال اليوم، حول سؤال: "ما هو حجم الكون؟". جادل أحدهما بأن الكون يتكون من مجرة ​​واحدة فقط، بينما أكد الآخر وجود مجرات أخرى إلى جانب المجرة التي تحتوي على الأرض. كان هذان الفلكيان، هارلو شابلي وهيبر دوست كورتيس، مديرين عالميين لمرصد كلية هارفارد ومرصد ليك في كاليفورنيا، على التوالي.
نشأ هذا الجدل من رصد العالم البريطاني إدموند هالي لسديم هائل عام ١٧١٦. وقد استأثرت طبيعة هذا الجسم المضيء الضخم، الذي سُمي لاحقًا أندروميدا، باهتمام العديد من العلماء. كما اختلف هارلو شابلي وهيبر دوست كورتيس في آرائهما حول أندروميدا؛ إذ اعتقد هارلو شابلي أنها مجرد سديم داخل مجرتنا درب التبانة، بينما أكد هيبر دوست كورتيس أنها مجرة ​​منفصلة تقع خارج مجرتنا درب التبانة. وبلغ هذا الجدل حول حجم الكون وبنيته ذروته في "المناظرة الكبرى" في أبريل ١٩٢٠.
انتهى الجدل الكبير عام ١٩٢٣ باكتشاف إدوين باول هابل للمتغيرات القيفاوية. أثبت اكتشاف هذه المتغيرات ونتائج الأبحاث المنشورة عام ١٩٢٤ وجود مجرة ​​أندروميدا خارج نطاق مجرتنا، خلافًا لما زعمه هارلو شابلي. وبناءً على ذلك، دُحضت تمامًا فرضية هارلو شابلي القائلة بأن أندروميدا تقع داخل مجرتنا.
كشفت نتائج النقاش الكبير أن الكون لا يقتصر على مجرتنا وحدها، بل توجد مجرات أخرى لا حصر لها خارجها. ويعود الفضل في هذا الاكتشاف إلى حد كبير إلى عمل هيبر دوست كورتيس. فبناءً على سرعة دوران سديم دولاب الهواء التي رصدها فان مانين آنذاك، قدم كورتيس وجهة نظر مناقضة لادعاء هارلو شابلي. واليوم، نعتبر وجود مجرات متنوعة خارج مجرتنا أمرًا مفروغًا منه. لذا، تستحق إنجازات هيبر دوست كورتيس الثناء. فقد قدم ادعاءات مماثلة لعلم الكونيات الحديث، على الرغم من محدودية تقنيات الرصد والبيانات المتاحة في ذلك الوقت.
يتجه علم الفلك الحديث الآن نحو آفاق أوسع خارج كوننا. يرى بعض العلماء أن أكوانًا أخرى موجودة خارج كوننا، بينما ينفي آخرون وجود الأكوان المتعددة لعدم إمكانية رصدها. وكما اكتشفنا عوالم خارج مجرتنا، قد يوجد عالم آخر خارج كوننا. فلننظر إذن في إمكانية رصد الأكوان المتعددة من خلال عدسة النقاش الكبير الذي دار في الماضي.
هناك طريقتان أساسيتان لقياس كتلة الأجسام في الكون: استخدام الرصد البصري (الموجات الكهرومغناطيسية) ورصد التأثيرات الجاذبية (الموجات الجاذبية). اكتشف العلماء أن الكتلة المُحددة بالرصد البصري أصغر من الكتلة المُحددة بالتأثيرات الجاذبية. أدى هذا إلى افتراض وجود مادة تمتلك كتلة ولكنها لا تتفاعل مع الموجات الكهرومغناطيسية، وهي المادة المظلمة. مع ذلك، لا يزال تكوين المادة المظلمة ومصدرها لغزًا محيرًا.
يشبه هذا الوضع ما كان سائداً حول مجرة ​​أندروميدا في عشرينيات القرن الماضي. ففي ذلك الوقت، كان يُعتقد أن أندروميدا سديمٌ داخل مجرتنا درب التبانة، ولكن تم اكتشاف العديد من الخصائص التي تُناقض هذا الاعتقاد. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ملاحظة هيبر دوست كورتيس أن عدد المستعرات العظمى المرصودة داخل أندروميدا يفوق العدد الإجمالي للمستعرات العظمى في مجرتنا درب التبانة بأكملها، مما دفعه إلى القول بأن أندروميدا مجرةٌ أخرى موجودة خارج مجرتنا درب التبانة.
أعتقد أن الأمر نفسه ينطبق على المادة المظلمة. إذا اعتبرنا الكون هو عالمنا بأكمله، يصبح من الصعب تفسير الجاذبية التي تمتلكها المادة المظلمة. لكن الوضع يختلف إذا وُجد كون جديد خارج كوننا، ونشأت المادة المظلمة نتيجةً لوجود هذا الكون. في الأكوان المتعددة، توجد أكوان لا حصر لها، ويمكن للجاذبية أن تؤثر بينها. لذا، يمكن اعتبار المادة المظلمة القوة التي تمارسها أكوان أخرى على كوننا.
بالطبع، لم يُرصد وجود الأكوان المتعددة بعد، وربما لن يُرصد أبدًا. يرى بعض النقاد أن الإيمان بنظرية غير مُثبتة علميًا وغير مدعومة بأدلة قاطعة هو أمرٌ عبثي. مع ذلك، وبالنظر إلى مثال الجدل الكبير الذي دار قبل أقل من قرن، لا يمكن استبعاد احتمال وجود أكوان متعددة. كما دافع هيبر دوست كورتيس عن نظرية الأكوان الجزرية دون أدلة قاطعة آنذاك، إلا أن العلم الحديث أثبت صحة تلك النظرية.
مع ذلك، يرى البعض أن الأكوان المتعددة غير قابلة للملاحظة جوهريًا. فهم يعتبرون حالة هيبر دوست كورتيس مختلفة تمامًا عن نظرية الأكوان المتعددة. وبينما كان الخلاف بين هيبر دوست كورتيس وهارلو شابلي مشكلة قابلة للحل بفضل تطور تقنيات الرصد، يرى البعض أن رصد الأكوان المتعددة قد لا يكون صعبًا فحسب، بل مستحيلاً من الأساس. ويستند هذا الرأي إلى الادعاء بأن ذلك سيتطلب الانتقال إلى بُعد آخر يتجاوز كوننا، وهو أمر مستحيل على البشر الذين يعيشون في ثلاثة أبعاد. وإذا كانت الأكوان المتعددة مستقلة ولا يمكنها رصد بعضها البعض، فمن الخطأ القول بوجودها.
مع ذلك، أعتقد أن وجود الأكوان المتعددة أمرٌ مرجحٌ للغاية. لا يزال علم الكونيات الحالي غامضًا. حتى نظرية الانفجار العظيم، المقبولة على نطاق واسع كحقيقة راسخة، ليست سوى فرضية لم تُثبت بشكل كامل بعد. ومع ذلك، فأنا أؤيد نظرية الأكوان المتعددة لأنها تفسر العديد من النظريات. لنأخذ على سبيل المثال نظرية الأوتار، التي طُرحت في أواخر الستينيات لتفسير الكون. تفترض نظرية الأوتار أن كل المادة في العالم تتكون من أوتار متناهية الصغر. في حين أن بناء كل شيء من أوتار في فضاء رباعي الأبعاد (ثلاثة أبعاد بالإضافة إلى الزمن) يخلق تناقضات، فإن افتراض وجود هذه الأوتار كمادة في عشرة أبعاد يسمح بإمكانية وجود أكوان لا حصر لها.
وهكذا، تُفسر نظرياتٌ عديدةٌ في العلوم الحديثة إمكانية وجود أكوانٍ متعددة. ورغم أن هذه الأكوان لم تُرصد، وربما لن تُرصد أبدًا، فإن هذا لا يعني أننا نستطيع الجزم بعدم وجودها. فقبل قرنٍ من الزمان، نجح عالمٌ في التنبؤ بعالمٍ جديدٍ يتجاوز عالمنا المعروف، دون رصدٍ أو دليلٍ قاطع. ونحن أيضًا نؤمن بإمكانية تجاوز الكون الذي نعرفه من خلال الأكوان المتعددة. ولعل في المستقبل البعيد، تُقبل الأكوان المتعددة كحقيقةٍ راسخة، بل وربما نغامر بالخروج إلى عالمٍ آخر.

 

عن المؤلف

كاتب

أنا "محقق القطط" وأساعد في إعادة القطط الضائعة إلى عائلاتها.
أستعيد نشاطي بفنجان قهوة لاتيه، وأستمتع بالمشي والسفر، وأوسّع مداركي بالكتابة. بمراقبة العالم عن كثب، واتباع فضولي الفكري ككاتبة مدونة، آمل أن تُقدّم كلماتي العون والراحة للآخرين.