كيف تتراكم المعرفة العلمية (من وجهة نظر الوضعية المنطقية والكلية)؟

هل المعرفة العلمية مجرد تراكم أم أنها تتطور من خلال التنسيق الشامل؟ يتم استكشاف طبيعة المعرفة والاختلافات في المنهجية العلمية من خلال عدسة الواقعية المنطقية وشمولية كوين.

 

يميز الواقعيون المنطقيون وبوبر بين المعرفة المستقلة عن التجربة، مثل المعرفة الرياضية أو المنطقية، والمعرفة التي تعتمد على التجربة، مثل المعرفة العلمية. وهم يزعمون أن المعرفة العلمية تتراكم من خلال الطريقة العلمية. وتعتبر الفرضيات مرشحة للمعرفة العلمية، ويقترحون طريقة علمية لاختبارها من خلال تحديد ما إذا كانت التنبؤات المستمدة منطقيًا من الفرضيات صحيحة أم غير صحيحة من خلال التجربة، مثل الملاحظة أو التجريب. ويزعم الوضعيون المنطقيون أنه إذا كان التنبؤ صحيحًا، فإن بوبر يزعم أن الفرضية التي أدت إلى التنبؤ تُضاف كمعرفة جديدة، واحدة تلو الأخرى، ما لم يكن التنبؤ غير صحيح.
ولكن كوين لا يعتقد أن التنبؤات يمكن استخلاصها منطقياً من الفرضيات وحدها. على سبيل المثال، الفرضية القائلة بأن المعدن المكتشف حديثاً (M) يتمدد عند تسخينه لا تؤدي إلى التنبؤ بأن (M) سوف يتمدد عند تسخينه. أولاً، نحتاج إلى المعرفة الموجودة بأن جميع المعادن التي لاحظناها تتمدد عند تسخينها، والشرط الذي يجعل (M) ساخناً. وبهذه الطريقة، لا يمكن استخلاص التنبؤ منطقياً إلا من مجموعة من الفرضيات والمعرفة الموجودة والظروف. لذلك، إذا تبين أن التنبؤ خاطئ، فمن المستحيل معرفة سبب فشل التنبؤ على وجه التحديد. ومن هذا، يقترح كوين الكلية، حيث تخضع كل المعرفة، بما في ذلك ليس فقط الفرضيات الفردية ولكن أيضاً كل المعرفة والظروف الموجودة، للاختبار التجريبي.
إن الواقعيين المنطقيين وبوبر يميزون بين القضايا التحليلية التي تكون صادقة مستقلة عن التجربة، مثل المعرفة الرياضية أو المنطقية، والقضايا التركيبية التي تكون صادقة من خلال التجربة، مثل المعرفة العلمية. ومع ذلك، يقدم كوين حجة تنفي هذا التمييز من أجل تبرير الكلية. وفقًا للتمييز بين الوضعي المنطقي والبوبري، فإن كل من القضايا المتجانسة مثل "الأعزب هو أعزب" والقضايا التي يمكن اختزالها إلى قضايا متجانسة مثل "الأعزب هو ذكر بالغ غير متزوج" هي قضايا تحليلية. والأخير هو قضية تحليلية لأنه يمكن اختزاله إلى الأولى. هذا الاختزال ممكن لأن "الأعزب" و"الذكر البالغ غير المتزوج" تعبيران مقبولان، وإذا سألت لماذا هما تعبيران مقبولان، فسيُقال لك إن استبدالهما ببعضهما البعض لا يغير من صحة أو زيف القضية. ولكن هذا لا يكفي لضمان أن يكون للعبارتين نفس المعنى، لذا فإننا نعتمد مرة أخرى على مفهوم الحتمية، الذي ينص على أن التعبيرات المقبولة يجب أن تكون قابلة للتبادل دائمًا. وهذا يؤدي إلى حلقة مفرغة حيث يعتمد مفهوم الضرورة على مفهوم القضايا التحليلية، والذي يعتمد بدوره على مفهوم القضايا التحليلية، والذي يعتمد بدوره على مفهوم التكرار المتماثل. وبالتالي، يخلص كوين إلى أن الادعاء بأن القضايا التحليلية متميزة عن القضايا التركيبية لا أساس له من الصحة.
إن كوين لا يفرق بين المعرفة المركزية والمعرفة المحيطية، بل يتصور وجود مجموعة مركزية من المعرفة لا تتعارض بشكل مباشر مع الخبرة، ومجموعة هامشية من المعرفة يمكن أن تتعارض بشكل مباشر مع الخبرة. وعلى النقيض من المعرفة المحيطية، التي يمكن أن تتغير بسهولة بين الصواب والخطأ في صراع مباشر مع الخبرة، فإن المعرفة المركزية التي تشكل أساس المعرفة المحيطية قوية نسبيا. ومع ذلك، لا يميز كوين بين المعرفة المركزية والمعرفة المحيطية لأن الحدود بين الاثنين ليست محددة بوضوح. إن المعرفة الرياضية أو المنطقية تقع في مركز المعرفة المركزية، وهي أبعد ما تكون عن الخبرة، ولكنها ليست مستقلة عنها. ومع ذلك، عندما تتعارض المعرفة المحيطية مع الخبرة وتبين أنها خاطئة، فإن السؤال ينشأ حول أي جزء من المعرفة الكلية يجب مراجعته. إن تصحيح المعرفة المحيطية لن يغير المعرفة الكلية كثيرًا، ولكن تصحيح المعرفة المركزية سيغير المعرفة الكلية بشكل كبير لأن هناك العديد من المعارف الأخرى المرتبطة بها. لذلك، في معظم الحالات، سنختار تعديل المعرفة المحيطية، ولكن هناك أوقات نحتاج فيها إلى تعديل المعرفة المركزية لأسباب عملية. وهكذا يزعم كوين أن المعرفة المركزية والطرفية يمكن من حيث المبدأ أن تكون عرضة للمراجعة، وأن تغيير المعرفة لم يعد مجرد تراكم بسيط للمعرفة الفردية.
وحتى لو بدت الاعتراضات التي أثيرت ضد فرضية معينة قاطعة، فإن الكلية قادرة دائماً على إيجاد طريقة للالتفاف عليها وقبول الفرضية إذا ما تم الاعتراف بها باعتبارها ضرورية عملياً. ومع ذلك، فإن الكلية تواجه صعوبة في الرد على الانتقادات التي تقول، مثل قوانين المنطق مثل "لا يمكن أن يكون أ في نفس الوقت أ وليس أ"، إن المعرفة التي لا يشك فيها أحد ينبغي تصنيفها باعتبارها مقترحات تحليلية. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الانتقادات، يناقش كوين أيضاً كيف يمكن الاستفادة من النهج الكلي في تراكم المعرفة العلمية. على سبيل المثال، لا يتم التخلص تماماً من النظريات العلمية المعقدة من خلال دحض تجريبي بسيط، بل إنها تتطور من خلال عملية مراجعة وصقل تأخذ في الاعتبار مجموعة متنوعة من المتغيرات. وهذا يوضح وجهة النظر الكلية التي تقول إن البحث العلمي أكثر من مجرد التحقق من صحة فرضية أو دحضها، بل ينطوي على عملية تعديل وتكيف داخل الجسم المعرفي بأكمله.
لقد كان لحجج كوين تأثير كبير في الفلسفة الحديثة ونظرية المعرفة العلمية. إن الاعتراف بأن التغيير وتطور المعرفة العلمية ليسا مجرد تراكم بسيط، بل يتضمنان عمليات معقدة من التفاعل والتنسيق، يعمق فهمنا لطبيعة العلم ويوفر منهجية بحث أكثر واقعية. أصبح العلماء الآن قادرين على تجاوز مجرد الاستدلال غير المنطقي وملاحقة الاكتشافات والابتكارات الجديدة من خلال نهج أكثر تكاملاً ومرونة.
وعلى هذا فإن فلسفة كوين تؤكد على ديناميكية المعرفة وتعقيدها، وهو ما يوفر لنا رؤى أعمق في طبيعة المعرفة والمنهجية العلمية. وهذا له آثار مهمة على كيفية فهمنا للمعرفة وبنائها وتطبيقها. والآن يتجه البحث العلمي إلى ما هو أبعد من مجرد اختبار الفرضيات نحو فهم متكامل وتطوير مستمر لكامل مجموعة المعرفة.

 

عن المؤلف

كاتب

أنا "محقق القطط" وأساعد في إعادة القطط الضائعة إلى عائلاتها.
أستعيد نشاطي بفنجان قهوة لاتيه، وأستمتع بالمشي والسفر، وأوسّع مداركي بالكتابة. بمراقبة العالم عن كثب، واتباع فضولي الفكري ككاتبة مدونة، آمل أن تُقدّم كلماتي العون والراحة للآخرين.